عبد الرحمن بدوي

53

أرسطو عند العرب

فلا يكون لها شوق جزئي معين ، بل يكون نوع من الشوق كلى . وإن كان إلى جزئي كالشوق إلى الغذاء « 1 » مثلا حتى يتعين بسبب غير الشوق ، فلا يكون إذن الشعور ( بالبدن « 2 » ) بحسب ذلك التقدم شعورا جزئيا . كذلك لا يكون بذكر البدن لو بقي بعده « 3 » ذكرا وهميا بل عقليا غير مخصّص . وهذا الضرب من الإدراك - وإن سميته توهما عقليا - فهو جهل بالجزئي من حيث هو جزئي . إلا أن ذلك الجهل ليس جهل نقص بل جهل شرف . وهذا كما قيل : « أن لا يعلم كثير من الأشياء أفضل من أن يعلم « 4 » » . والجهل جهلان : جهل لما هو في المرتبة « 5 » العالية ، وجهل لما هو في المرتبة « 6 » السافلة . وكل واحد له حكم غير حكم الآخر : فالشيء العالي قد يجهل كنهه لعجز السافل لا لكونه مجهول الكنه ؛ والشئ السافل قد يجهل كنهه لكونه في ذاته مجهول كنهه « 7 » الجزئي . والعقل لا يتصور فيه الحقيقة الإلهية إلّا بضرب من المقايسات واعتبار اللوازم وبالأشياء الخارجة عنه كما يفطن له من طريق الرسم . ولو كانت ذات العقل ذاتا يتوصل من ذاته إلى أن بينت له كنه حقيقة الأول كأنه كان ذات العقل موجبة لذات الأول حتى يلزم عنها اكتناه ذات الأول . فإذا كانت ماهيته غير موجبة لماهية الأول بل الأمر بالعكس ، لم يكن تجلى ذات العقل للعقل ناقلا للعقل عن ذاته إلى ذات الأول ، بل إنما تطلع عليه حقيقة ذات الأول من ذات الأول من حيث يجب لها الطلوع على « 8 » كل مستعد قابل وجوبا من جهته وليس من جهة القابل إلا الاستعداد . فيكون إدراكه إياه من حيث ينال عنه فقط من غير وجوب في ذات العقل ولا الماهية « 9 » أصلا . ومن عادة القوم أن يجعلوا مثل هذا الإدراك في التصورات والتصديقات جميعا ناقصة غير مكتنهة . وأما الكلام الفصل فيها فليتأمّل في الكتب وفي « الحكمة المشرقية » وأنه كيف يجب أن يقال في إدراك العقل لما فوقه « 10 » . [ 1 ] يقول إن الأنفس لا تتذكر أحوال العالم من حيث هي جزئية ، وبهذه الجهة

--> ( 1 ) العلا ( 2 ) الزيادة عن ت ( 3 ) أو بقي بعد ذكرا ( 4 ) أرسطو : « ما بعد الطبيعة » ، مقالة اللام ، ف 9 ، 1074 ب 33 . وراجعه قبل ص : 20 ، 31 . ( 5 ) الرتبة ( 6 ) الرتبة ( 7 ) له ( 8 ) على : ناقصة ( 9 ) م : لمية ( 10 ) لما فوقه : ناقصة ( 1 ) : إن النفس إذا فارقت هذا العالم الأعلى وصارت في العالم العقلي ، لم تتذكر شيئا مما علمته ، ولا سيما إذا كان العلم الذي اكتسبته دنيا ، بل تحرص على رفض جميع الأشياء التي نالت في هذا العالم ، وإلا ( في المطبوع : ولا ) اضطرت إلى أن تكون هناك أيضا تقبل الآثار التي كانت تقبلها هاهنا . وهذا قبيح جدا أن تكون النفس تقبل آثار هذا العالم وهي في العالم الأعلى » ( ص 24 س 14 - س 19 ) .